عــنــدمــا تــبــتــســــم الحقيقة بوجه الصحـــــراء ..!




فى سيارة (باص النقل الجماعي ) .. رأيت والدي لأول مره!
لأول مره رأيته كطفل يختبئ خلف لثامه عن حرجه البالغ من مصافحة المدينة
وكأنها امرأة نزقة سافرة وجهها ولا تخجل من الرجال قد توبخه وتهينه أمام أولاده مع أول تصرف جاهل معها فهو لا يعرف كيف سيخاطبها ولا يعرف كيف ستنظر إليه
وكيف ستتعامل مع جهله الواضح
عيناه الناطقة تصارع القلق بكل وضوح وكأنه طفل أنتزع من حضن أمه (الطبيعة) ليرمى به في هذه المدينة القاسية الغريبة الملامح والمتقلبة المزاج
التي لن تعطي أسرارها إلا لمتعلم يجيد القراءة
كأنه يدرك بأن دوره كجغرافي بارع في خارطة الصحراء يعرفها نفود نفود
وهضبة هضبة وجبل جبل ووادي وادي .. قد انتهى
وأنه أصبح الآن بحاجة لأصغر أبناءه ليسأله عم تشير هذه اللوحة وكم بقي للمدينة



كنت أظن أني أعرف الناس بوالدي طوال 24 سنه قضيتها بأحضانه

جلس بجانبي كـ الطفل فى أول يوم مدرسه... يحرك مسباحه بشكل متوتر
ويرسل عيناه المحاطه بتجاعيد الزمن إلى المجهول دون تحديد وجهتها !
أحاط وجهه البريء (بشماغه) وتلثم وكأنه يريد أن يطلق لعيونه المشدوهة العنان لأن تصافح هذه الدنيا الغريبة
ويغلق فمه عن الكلام فلم يبق له شيء بعد اليوم أن يتكلم فيه فبراعته في حياة البداوة قد انتهت قصرا الآن بقي عليه أن يتتلمذ من جديد كطفل كبير فاته ركب التعليم
براءته وجهله بكل ما أحاط قريتنا البسيطة... فلم يخرج للمدينة إلا مرات قليله
آخرها عندما أراد أخذي لاستلام وثيقة تخرجي ...
والدي رجل حنون رغم طابع القسوه الذي يحب إرتداءه أمامنا ... كان
يطمح أن يتعلم القراءه والكتابه .. كثيرآ مالمحته يقلب أوراقي فى صمت
... يديرها للأعلى ويقلبها للأسفل ... عيناه الحنونة كانت تركز وتركز ولكن كان فى النهايه يرمي الأوراق خجلآ من أبنته عندما تحضر
والدي لا يختلف عن المتعلمين فى رفضهم للاعتراف بالجهل فى بعض الأمور
يراه برؤيته المتواضعة للأمر (عار) لا يجب اكتشافه... يغطيه بالصوت العالي
عندما لا أطيعه وأفشل فى إقناعه بأمر لا يدركه كما أدركه ...

حتى أمي ... كلما تذكرت كيف كانت توهمني بمعرفتها وتمسك بالكتاب
لتسمع لي دروسي وحفظي ...أضحك بهستريا ..
لم أفطن لذلك إلا متأخرا .. بعدما أصبحت هي تتجنبني وتدعي الانشغال
كلما جريت ورائها لتسمع لي الدروس !
كنت فى بعض الأحيان أكتشف أنها تمسك بالكتاب (بالمقلوب) وأعدله لها
وأعيد تسميعي للدرس وكأنه أمر عادي !
طفولتي لم تخبرني بأن أمي كـ أبي .. أميون بسطاء صنعوا مني مربيه ناجحة يشار لها بالبنان
بذكائهم الفطري وطيبة قلوبهم ... علموني مالم يعلمه المتعلمون لأبنائهم

بقي والدي طوال الطريق الممتد متيقظ .. لم يستطيع الإرهاق النيل من قوة تحمله وصبره البدوي
حنان غمرني وكدت أبكي من فرط الحنين إليه وما يفصلني عنه سوى ممر
لا أعلم هل ما أبكاني (شفقتي) على سيد بيتنا لأنني وضعته بموقف لا يحب
أن تراه أبنته فيه ...خصوصآ أنه ربما يفكر كيف يتصرف عندما نصل
لأقرب مكان للمدينه التي (تم تعييني فيها) ..

رفض أن نسافر بالطائره ... ولم أناقشه فى حجته البريئه (أنا أحب السفر برآ
وأريد أن أرى أرض الله الواسعه !! )

رجوته أن يغفو ولو لساعة ... ولا يحيد عن النظر للأمام وكأنه هو من يقود الباص
(هازا رأسه بالرفض)

إقتربت منه وجلست قربه .. مددت له ماحملت حقيبتي من مأكولات خفيفة
وتجاذبت معه أطراف الحديث ... وتعمدت إضحاكه حتى فرجت
أساريره وتناول ما أعطيته ونسي رحلتنا وبدأ يميل للخلف ليغفو

ياااااااااااااااه
يالله

كم أحبك ياأبي
كم أحبك

سامحني ... لم يكن بيدي أن يتم تعييني بعد كل ذلك الكفاح فى تلك المنطقه
البعيده
سامحني .. فقد كنت مكافحا من أجلي منذ ولادتي ولم أريحك بعد نضجي
أنا حلمكما ... ولكن مازلتما تدفعان بالحلم للأمام دون كلل أو ملل

لن أنسى فرحتكما بتخرجي ... رأيتكما تعودان شابان تلك الليلة
لن أنسى تلك الليالي التي أحييتموها بالأفراح والولائم رغم (ضيق الحال الذي أعلمه)



عندما ذهبت للمدرسة (مقرعملي) من فرحتي لم أكن بحاجه للثرثرة والتعرف بالأخريات ... كنت أكتفي بالضحك والتبسم للجميع
بل ربما من خجلي !

هل اجتماع الخجل والفرحة يدفعان للصمت !
للحظات شعرت باختلافي ... وتشابهي بقلة خبرتي .. بوالدي في تلك الرحلة
وعيناه المستكشفه لكل شيء أحاطه !

هل السبب بملابسي التي تتسم بذوق ريفي بسيط أمام (عرض الأزياء) المستمر طوال السنة في المدرسة ؟
أم أنه (إحساسي بالمسؤليه أمام كفاح والداي البسيطان ورغبتي الملحة بامتلاك
العالم من أجل إسعادهما ...؟

عندما أستطاع أبي التأقلم فى أجواء المدينه ... أحضر أمي وأخوتي
كنت كالملكه بينهم ... إبنتهم المتعلمه التي رفعت رأسهم ...
الفرحه كانت شريكتي فى كل لحظات حياتي .... ولكنها ناقصه
لاتكتمل السعاده فى القلوب ...
كيف ستكتمل والراتب متواضع أمام متطلبات أسره كامله وطموح
أبواي البسيطان .... أحلم كل ليله بتحقيق أبسط أحلامهما ولكني عاجزه
عاجزه والعجز يتعب قلبي من أبسط متطلبات أخواتي المراهقات !
أريد أن أهدي والدي سياره وأن أفرح أمي بالقلاده التي كانت رأتها تتدلى
فى نحر زوجة خالي الصغير !
أريد بيتآ كـ بيت زميلتي فوزيه ... بل أريد (جهاز موبايل) لاتنقصه الخدمات

لكن المهم أني نجحت بإسكان السعاده بيتنا على الدوام ...


((( شوفو بنات هذي الإستاذه عايشه ....
يا ترى الطقم اللي لابسته مايشبه الطقم التراثي اللي بالمتحف
أكيد وارثته من جداتها
- ياحرااااااااام ...!
- ليش هي كذا ذوقها ؟
- معقوله هذي هيئة مدرسه ؟!!
- يا ترى كانت عايشه وين ؟
- عايشة بالجناااااااادرية
خخخخخخخخخخخخخخخخ

أكيد أعطوها درع التميز ذا السنه من الشفقه عليها
شوفو
تتبسم لنا يابنات معقوله سمعتنا ؟!))))


والدي ألف قبلة عرفان لجبينكما ...
فلم ترضيا أن أعيش أنا وأخوتي في جهلكما
ورضيتما أن تعيشا في حياتنا أنا و أخوتي

أنا لولاكما ... لــم أكـــــن
ولو بـــذلت الروح من أجلكما ... لبذلتها دون تأخر


إبنتكما الباره



التعليقات


أترك تعليقك
أكتب التعليق و أنتظر موافقة الأدارة على نشره